Logo CFG Header

أدت الاشتباكات العنيفة في 19 مايو 2018، في جامعة ابن زهر في أكادير، بين طلاب الحركة الثقافية الصحراوية والاستقلاليين الأمازيغ إلى اغتيال عبد الرحيم بدري، طالب في الحقوق عمره 24 عامًا. تم اعتقال ثلاثين طالبًا آخرا في الأيام التالية، في حين صعب على الشباب في جميع أنحاء البلاد الصمود أمام حالة وفاة عبثية أخرى في الجامعات المغربية.

وصل العنف بين مجموعات الطلاب في الجامعات المغربية إلى مستويات معتبرة، وواسعة الانتشار ويتصل بشكل جوهري بالظروف الهيكلية للبلاد. يحرم العنف الهيكلي من ظروف العيش الآمنة والكرامة ويمنع من تحقيق الأهداف الفردية والجماعية، وفي المغرب، يترافق هذا العنف الهيكلي مع القوة المباشرة. يتأثر الوضع الحالي في البلاد بعمق بظاهرة اجتماعية وسياسية لا يلاحظها المراقبون الخارجيون، على الرغم من التأثيرات المباشرة لها على مجموعة كبيرة وحاسمة في مستقبل البلاد: طلاب الجامعات.

في مارس 2017، بدأت مؤسسة قرطبة بجنيف عملية وساطة شاملة لمجموعة متنوعة من الطلاب المغاربة المنتسبين إلى حركات وأحزاب سياسية. ناقش المشاركون مع خبراء محليين ودوليين، علنا، أسباب وعواقب هذا الخلاف، مع بناء فهم مشترك وحلول بناءة للحد من العنف الذي يقوض التعليم. قدّمت مؤسسة قرطبة بجنيف التدريب باللغة العربية في بناء القدرات في شقه النظري فضلا عن ترشيد الخلاف والمهارات العملية، مما يساعد المشاركين على تطوير مهارات بناء السلام. التحليل المقدم في هذا المقال يعكس ويقدم نتائج هذه العملية النموذجية في الوساطة.

تتميز مجموعات الجامعات المغربية بأيديولوجياتها وهويتها وارتباطها بالأحزاب والحركات السياسية على المستوى الوطني. تتعدد التوترات بين الجماعات الأيديولوجية والهوياتية. تسيطر فصائل الطلاب على بعض الكليات أو الجامعات في جميع أنحاء البلاد وتطالب بالتحكم فيها. كما تتفاخر باختلافاتها من خلال تزيين فضاءات الجامعات بصورها وأقوالها والأحداث الخاصة بها. تحضر سرديات الضحية ومنطق الانتقام كثيرا في أوساط هذه المجموعات، كما تظهره صور الشهداء الأمازيغ والإسلاميين واليساريين أو الصحراويين التي تحيط بأروقة ومقاهي الجامعات؛ تبعا لأي جهة تتحكم في الفضاء. في كثير من الأحيان، يكون العنف الأعمى ضد الطلاب الآخرين نتيجة هذه الانقسامات.

"التجديد الطلابي" واحد من أكبر الفصائل وأكثرها تنظيما، وهو الجناح الشبابي في أكبر حزب سياسي إسلامي وهو "حزب العدالة والتنمية". يحافظ هذا الفصيل على علاقة متأرجحة مع مجموعة طلابية أخرى ذات خلفية دينية، ترتبط بـ"جماعة العدل والإحسان"، وهي حركة إسلامية معارضة مؤثرة كانت القوة الرئيسية لانتفاضات 20 فبراير 2011 في المغرب.

"الديمقراطيون التقدميون" هو فصيل يساري له علاقات مع "الحزب الاشتراكي الموحد". تماما مثل الطليعة الديمقراطية التابع للمعارضة اليسارية الراديكالية، "النهج الديموقراطي". تشارك هذه الأحزاب السياسية في السياسة المنظمة للمعارضة في المغرب، حتى أن بعض الجماعات المتطرفة الماركسية تنعتهم بـ"الخونة". "البرنامج المرحلي" و"القاعديين" فصائل ماركسية متطرفة تشتغل في مختلف الجامعات دون أي انتماء للأحزاب السياسية التقليدية.

العديد من المجموعات والأحزاب السياسية للطلاب اليساريين المغاربة تنتمي لـ "إلى الأمام"، وهي حركة شيوعية قوية تأسست في عام 1976، ولكن قضى عليها الملك الحسن الثاني في سياق الحرب الباردة وقمعه لجميع أطياف المعارضة بما في ذلك "الاتحاد الوطني للطلاب المغاربة" (UNEM)، الذي كان مركز التنظيم السياسي اليساري. واليوم، تم الاعتراف بمعظم الأحزاب اليسارية المغربية على أنها شرعية وقد تبنت نضالًا سياسيًا معاصرًا داخل أجهزة الدولة المعاصرة. ومع ذلك، فإن بعض المجموعات من الطلاب المتطرفين، بما في ذلك البرنامج المرحلي والطلاب المنتمين إلى البرنامج القاعدي، يشكلون حركة مهمشة معزولة داخل المجتمع السياسي المغربي. يعتنق البرنامج المرحلي استخدام القوة كجزء لا يتجزأ من أيديولوجيته – ربما ردًا على سنوات الاضطهاد التي عانت منها هذه المجموعة. ومن وجهة نظر الطلاب اليساريين وفصائل الطلاب الدينيين، فإن البرنامج المرحلي هو المجموعة التي تقف وراء العنف في الجامعات. من جانبهم، يستنكر بعض الطلاب اليساريين المتطرفين الشوفينية التي تبدر عن للحركة الثقافية الصحراوية والأمازيغية المؤيدة للاستقلال باعتباره العامل الأكثر خطورة في الحرم الجامعي في البلاد.

يُنظر للمجموعات الاستقلالية الصحراوية بأن تبعيتها لجبهة البوليساريو وحكومتها في المنفى، الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، تبعية ضعيفة نظرا لموقفها السياسي من تقرير المصير. ترتبط حركة الثقافية الامازيغية بالحركة الوطنية الأوسع نطاقًا للاعتراف باللغة والثقافة والتاريخ الأمازيغي. وفي جميع أنحاء البلاد، لأتباع الطلاب المتطرفين وأعضاء هذه الجماعات علاقات متوترة مع المجموعات الأخرى كلها تقريبا – فهم يعتبرون الطلبة الصحراويين قوميين عرب، ينفون الهوية الأمازيغية. كما يعارضون جميع أشكال الجماعات الدينية، مما يسبب التوتر مع الطلاب الإسلاميين. ويدعون إلى أشكال التنظيم القائمة على الهوية، على عكس الطلاب الماركسيين الأمميين. ويقول مراقبون خارجيون إن خطي التوتر الأساسيين في الجامعات المغربية هما: 1) بين الصحراويين والأمازيغ و 2) بين الإسلاميين واليساريين/العلمانيين.

لا شك أن الأهداف السياسية والأيديولوجيات والهويات تسهم في زيادة التوترات التي يمكن أن تؤدي إلى العنف بين فصائل الجامعة المغربية، والحالة المأساوية لعبد الرحيم بدري ليست استثنائية. فمنذ نهاية عام 2017، ذكرت الصحافة المحلية بأن جامعة مولاي إسماعيل في مدينة مكناس كانت مسرحا لمحاولتي اغتيال بين طلاب ينتمون للحركة الثقافية الأمازيغية والبرنامج المرحلي. وفي الشهر نفسه، اشتبك طلاب تابعون لنفس الفصائل مرة أخرى في جامعة فاس، مما يدل على أن حوادث العنف يمكن أن تنتشر وتتضاعف في ظل منطق انتقام صارم.

كانت فاس، المدينة التي شهدت إنشاء أول جامعة في العالم، مسرحا للعديد من أعمال العنف بين الطلاب في مطلع التسعينيات، عندما تم قتل الطالب اليساري بن عيسى آيت الجيد من قبل أفراد ينتمون للتجديد الطلابي. في الآونة الأخيرة، قتل عبد الرحيم الحسناوي، 21 عاما، من التجديد الطلابي، في أفريل 2014 من قبل مجموعة من الطلاب اليساريين المسلحين بالسكاكين. وقعت آخر الاشتباكات بين فصائل الطلاب المغاربة في 7 مارس 2018، عندما أصيب العشرات من الشباب وتم تنفيذ العديد من عمليات التدمير في الجامعات والمناطق السكنية المجاورة. أشارت التقارير المحلية إلى أن الطلاب استخدموا الحجارة وسلاسل الدراجات والأدوات الحديدية لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر. كانت هذه الاشتباكات مدمرة لدرجة أنه تم إغلاق مركز فاس والطريق الرئيسي المؤدي إلى مطارها الدولي إلى أن استعادت الشرطة السيطرة.

وقد نشأ نزاع إقليمي بين هذه الفصائل، التي تسيطر على مختلف الإقامات في الجامعة نفسها، بهدف منع الفصيل الآخر من القيام بأنشطة سياسية في فضائه الخاص. تعكس هذه الرقابة الأيديولوجيات المتناقضة لهؤلاء الطلاب الإسلاميين والعلمانيين، التي تفصلها مواقف مختلفة جذريًا حول القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية الرئيسية. تشهد الجامعات في فاس أعلى مستويات العنف بين الجماعات الإسلامية واليسارية/العلمانية، والتي يعود تاريخها إلى منتصف العقد الأول من القرن الحالي، مما يجعلها واحدة من أسوأ مناطق العنف الطلابي في البلاد.

يعكس العنف بين طلاب الجامعات فقر التعليم الجامعي المغربي، مما يترك خريجي الجامعات غير مؤهلين لإدارة خلافاتهم في سوق الأفكار. ويخشى بعض الشباب من أن تعلن هذه الظاهرة جيلًا من الضحايا والمعتدين، تطبعه تجارب من العنف والعقاب.

الفهم السائد لدى المغاربة هو أن الدولة وحكوماتها المتعاقبة تجاهلت هذه القضية ووقفت موقفًا سلبيًا منها. الموقف ساهم بدون شك في انتشار هذه الحوادث. ووصف تقرير صادر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان في عام 2014 الدولة كفاعل رئيسي في العنف داخل الحرم الجامعي، وذلك بسبب عنف الشرطة المفرط، وإفقار الطلاب والمحسوبية السياسية لصالح بعض الطلاب.

بالإضافة إلى الدولة، تحتاج الأحزاب والحركات السياسية أيضًا إلى محاورة القادة الطلابيين وإشراكهم بدلًا من استخدامهم فقط لتقوية نفوذها السياسي في الجامعات. فلهؤلاء الشباب والشابات الحق في التعبير عن رؤيتهم السياسية لمستقبل البلاد والدفاع عن مصالحهم في المجتمع. يمكن أن يشجع فاعلو ومنظمات المجتمع المدني هذا النوع من الدور القيادي للناشطين في الجامعات خاصةً لمجموعات الطلاب الذين ليس لهم انتماء سياسي. يمكن للاستقلال السياسي للمجتمع المدني أن يكون عاملًا إيجابيًا في تسهيل التبادل بين الفصائل غير القادرة على فتح قنوات الاتصال أو التي ترفض التعامل مع مجموعات سياسية أخرى.

تتمثل الخطوة الأولى للتغلب على انعدام الثقة بين فصائل الطلاب في تسهيل تنظيم فضاءات آمنة لممثليهم، من أجل الحوار ودراسة الأسباب الجذرية، والشكل والمستقبل المحتمل للعلاقات الصعبة بين الطلاب في الجامعات المغربية. يمكن أن تشمل هذه الاجتماعات ممثلين مختلفين لمجموعات الطلاب (من خلال الانقسامات الإقليمية والثقافية والأيديولوجية)، أو التركيز على العلاقات البينية خاصة في حالة المجموعات اليسارية المختلفة التي ناضلت من أجل تطوير خطاب معاصر موحد. ويمكن أن تشمل هذه الحوارات القضايا التي تهم جميع الطلاب الناشطين، مثل إرث الانقسام الخاص بالاتحاد الوطني للطلاب المغاربة الذي يسيطر عليه الطلاب المنتسبون لجماعة العدل والإحسان اليوم. ويرافع العديد من الطلاب المغاربة لوضع مدونة أخلاقيات تعترف بالقيم التي طورها الطلاب ووافقوا عليها. ومع ذلك، ينبغي أن تكون هذه الوثيقة نتيجة لعملية حوار شاملة حول القضايا الرئيسية التي ينطوي عليها العنف الطلابي، ليكون لها أثر حقيقي.

يمكن أن تضغط مبادرة طلابية بين الأيديولوجيات على إدارات الجامعات لوضع نوع من نظام الإنذار المبكر والاستجابة السريعة لتحديد النزاعات المحتملة بين الطلاب ونزع فتيلها بطريقة عادلة وشفافة. وقد تمت بالفعل محاولة الشروع في مبادرات الوساطة بقيادة الطلاب في الجامعات المغربية، ولكن هناك حاجة إلى مزيد من الدعم لهذه الحوارات لتسهيل التغيير في الميدان. يمكن أن يكون الفضاء الأكاديمي الشامل والمتوازن والقائم على المشاركة هو الحل الوحيد لهذا العنف المتطرف – سواء كان مستوحى من الدين أو الهوية أو الأيديولوجية.