Logo CFG Header
 

السبت 1438/12/11 هـ - الموافق 2/9/2017 م (آخر تحديث) الساعة 16:56 (مكة المكرمة)، 13:56 (غرينتش)
خميس بن بريك-تونس

اقترح المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي إنشاء مؤسسة تكون كبرلمان فكري يجمع ممثلين عن التيارات العلمانية والإسلامية المتعددة لإرساء فضاء مشترك للحوار يخفف من حدة التجاذبات القائمة، ويتجاوز خصوصيات كل تيار إلى القيم المشتركة "لخدمة الصالح العام وتيسيرا للعيش المشترك الذي يحرر مما يشبه الحرب الأهلية الدائمة بينها".

وقال في حواره مع الجزيرة نت إنه حضر سلسلة من الورشات في أربع مناسبات تم خلالها "نقاش جدي" بين التيارات انطلق بين مفكرين علمانيين وإسلاميين متعددين. وكان القصد "البحث في سبل تجاوز القطيعة بين هذين التيارين" مُقرا بوجود صعوبات في بلورة نتائج عملية بسبب اختلاف وجهات النظر.

وتاليا نص الحوار:

اجتمعتم كمفكرين مؤخرا بورشات عمل في جنيف وإسطنبول وعمان والدوحة لبحث سبل تأسيس فضاء للحوار بين العلمانيين والإسلاميين، فما أهم النقاط المطروحة؟

خلال تلك اللقاءات التي جمعت مفكرين من التيار الإسلامي ومفكرين من التيار العلماني تحدثنا أساسا حول كيفية تجاوز القطيعة بين العلمانيين والإسلاميين، والسؤال الأساسي الذي بحثناه هو كيف يصبح الإسلامي والعلماني قادرين على الحوار دون إقصاء، وأن يعترف كل منها بحق الجميع في المساهمة المسؤولة في عملية التغيير التي الكل مقتنع بضرورتها والتي تقتضي التحرر من الإقصاء المتبادل.

وقد نظرنا في كيفية تذليل العقبات التي تجعل الإسلامي مرفوضا من قبل العلماني في حين الإسلامي أو على الأقل التيار الإسلامي الذي قبل المشاركة الديمقراطية لم يعد يرفض العلماني، وبالتالي صار اليوم الموقف الإقصائي غالبا على العلمانيين والقوميين لأسباب سياسية تتعلق بالتنافس على الحكم وشبه اليأس من الوصول إليه ديمقراطيا بسبب ضعف حضورهم في القاعدة الشعبية.

ما هي مميزات هذا الفضاء للتواصل المشترك بين الطرفين؟

ينبغي أن تكون المميزات الاعتراف المتبادل بين العلمانيين والليبراليين والقوميين والإسلاميين والذين يفضلون عدم الانتساب إلى أي من هذه التيارات. لكن الخلاف الأساسي يبقى بين المتطرفين من كل هذه التيارات، وهم المسيطرون على الواجهة.

ولا بد أن يعترف الإسلامي بأن العالم العربي فيه من ليسوا إسلاميين أو حتى مؤمنين بالإسلام، كما لا بد أن يعترف العلماني بنهاية الاحتكار الذي جعل مشاركتهم ناتجة عن تبعية للأنظمة المستبدة والفاسدة ليس بسبب الوزن الشعبي وبأنه من حق الإسلامي أن يسهم في الحياة السياسية مثله.

والمعلوم أن أول حقوق المواطن وعلامة المواطنة في كل دولة ديمقراطية هي المشاركة في الشأن العام، والدور في الخيارات حتى يكون مسؤولا في كل ما يجري في بلده بمقدار دوره في الإنتاج الفكري والمادي.

كيف يمكن تحقيق هذا الفضاء فعليا؟

النخب ليس لهم القدرة على خلق فضاء مكاني للحوار، ولذلك كنت أتصور أن الجامعة العربية رغم أنها فقدت دورها (فإنها) قادرة عن طريق المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) أن توفر هذا الفضاء فيكون نوعا من البرلمان الفكري للنخب العلمانية والإسلامية. ويجتمع هذا البرلمان مثلا مرتين في السنة وتدوم كل دورة شهرا واحدا.

واعتقد أن منظمة الألكسو يمكن أن تشرف على تنظيمه وتمويله لتجنب معيقات الحضور التي تفرضها بعض الدول العربية (التأشيرة والمراقبات التي تستثني الكثير بالنغمة الجديدة في تصنيف الناس من قبل الحكومات دون وجه حق) ليصبح لقاء منتظما يجمع ممثلين منتخبين من هذه العائلات الخمس الكبرى لتضم المفكرين المعبرين عن التيار الإسلامي، والتيار العلماني، والتيار القومي والتيار الليبرالي وكذلك عن المستقلين.

وماذا سيغير هذا "البرلمان الفكري"؟

بلا شك هو سيغير ثقافة النخب العربية، ويصبح موضوع اهتمام الإعلام، ويصبح منبع ثقافة المفكر العربي والنخب السياسية، وسيثري ثقافة الحوار حول الأمور الخلافية التي لا يمكن حلها إلا بواسطة الحوار، وهذا سيخفف حدة الاستقطاب والتجاذبات.

هل اقتصرت ورشات العمل على نقاشات بين العلمانيين والإسلاميين أم كانت لها أبعاد أخرى؟

لا، لم يقتصر الحوار على الإسلاميين والعلمانيين فحسب بل كانت هناك ورشات عمل في عَمان حول الحوار بين الإسلاميين والإسلاميين أنفسهم، وهو لقاء جمع بين الإسلاميين الديمقراطيين والإسلاميين الذين يشككون في الديمقراطية التي يريد الغرب أن يفرضها -حسب رأيهم- بدعوى أنها تدخل في خصوصيات الحضارة العربية الإسلامية بتغيير تربيتهم وقوانينها.

وكم كنت أتمنى أن يكون هناك حوار داخلي بين العلمانيين أنفسهم، لكن لم يكن موجودا وهو يمثل عائقا نحو التقدم السياسي الذي لا يمكن أن يتحقق في غياب حوار بين العلمانيين أنفسهم لأنهم مثل الإسلاميين ليسوا على لون واحد. ومثلما أن الإسلاميين بدؤوا يعقلون بعضهم البعض فيمكن أن نتخيل نفس السلوك بين العلمانيين والقوميين حتى يخرجوا من التعصب الأيديولوجي الذي يضر بالجميع.

كيف يمكن التوصل إلى نتائج عملية مع وجود اختلافات حادة بين العلمانيين والإسلاميين؟

طبعا خلال الورشات كانت هناك صعوبات شبه مستحيلة العلاج نتيجة اختلاف الآراء بين الصفين. وأنا أقول إنه إذا لم تستطع النخب العلمانية التي تؤمن بالديمقراطية والنخب الإسلامية التي تؤمن بالديمقراطية أن يتفقوا على أن التحالف بينهما هو الحل للقضاء على الاستبداد والفساد، وإذا تحالف أي منهما مع الأنظمة الاستبدادية الموجودة فإن الأوضاع لن تتغير وسنظل في تخبط الصراعات التي لا تنتهي.

إذن لم تحققوا أي نتائج من تلك النقاشات. أليس كذلك؟

بالعكس، النتيجة الأولى هي التقاء الإسلاميين والعلمانيين وسماع بعضهما البعض. وهذه لم تكن المقابلة الأولى ولا الأخيرة لأننا اتفقنا على الاجتماع مجددا في ورشات لاحقة من أجل مواصلة الحوار ومزيد الخروج بنوع من المبادئ. وقد تم فعلا الاتفاق على بعض المبادئ عقب اللقاء الذي جمعنا قبل أسبوعين في إسطنبول لعلاج القضايا الاجتماعية والسياسية.

ما رأيك بدعاوى العلمانيين بأن الإسلاميين يستعملون السلم مرة واحدة للوصول للحكم ثم ينقلبون على خصومهم؟

علينا أن نفهم أن دعاوى العلمانيين غير صحيحة وهم ليسوا علمانيين وليسوا ليبراليين كما يزعمون لأنهم لو كانوا كذلك لما تحالفوا مع الأنظمة الاستبدادية. عندما تسأل أحدهم كيف تكون علمانيا وتحالف نظاما مستبدا يجيبك لأننا نخاف السلطة الدينية الظلامية والقروسطية والإرهابية، لكن هؤلاء الذين يسمونهم ظلاميين وقروسطيين (إلخ) يحاربون الإسلاميين الديمقراطيين أكثر من محاربة العلمانيين على أرض الواقع.

وأنت كيف يمكن أن تصنف نفسك؟

أنا لا أنتسب لا إلى الإسلاميين ولا إلى العلمانيين لأن العلمانيين يعتبرونني إسلاميا والإسلاميين يعتبرونني علمانيا، ولذلك أنا أمثل تقريبا جسرا بين الصفين، وأحاول أن أفهم كلا الفريقين وأن أجد طرقا للتفاهم بينهم، كما أحاول أن أبيّن للعلمانيين أن الإسلاميين الذين يطالبون بالديمقراطية غير الإسلاميين الذين يرفضونها لأن العلمانيين يرفضون الإسلاميين الذين يدعون بأنهم جهاديون، وهؤلاء لا يريدون تكوين أحزاب والانخراط في العمل السياسي السلمي العادي.

ولكن لماذا يعادي العلمانيون الإسلاميين المنخرطين في اللعبة الديمقراطية؟

لقد لاحظ من يدّعون العلمانية أن الشعب يقبِل على الإسلاميين في الانتخابات فيفوزون بنسب كبيرة ما يجعلهم تقريبا بلا أدنى حظ للوصول إلى الحكم، ولذلك نراهم يتحالفون مع الأنظمة الاستبدادية العسكرية التي تملك القوة مثل حكم السيسي بمصر، والأنظمة الاستبدادية القبلية مثل الإمارات التي تملك المال من أجل الوصول للحكم.

ولكن، بالطبع هم يغلّفون سلوكهم بدوافع أيديولوجية تتهم الإسلاميين بأنهم جميعا ظلاميون وأنهم يستعملون الديمقراطية للوصول إلى الحكم ثم يمنعون وصول غيرهم باستخدام الدين، والحال أن من يدعون العلمانية يوظفون الدين في السياسة أكثر مما يستعمله الإسلاميون. وفي تونس على الأقل، نلاحظ أن الإسلاميين لما وصلوا إلى الحكم أرادوا تغيير السلوك الذي يؤدي إلى اتهامهم بتوظيف الدين بينما يريد العلمانيون أن يثبتوا أنهم ليسوا أعداء للدين عندما يحكمون. والعلة أن الحكم يؤدي غالبا إلى الحد من التطرف الخطابي عندما يكون المرء في المعارضة.

ألم يرتكب الإسلاميون أخطاء عند وصولهم للحكم؟

نعم، الإسلاميون يعترفون بأنهم وقعوا بأخطاء لا تقبل عقلا لما وصلوا إلى الحكم وتصرفوا بعقلية وكأن بلادهم مرت بتقاليد ديمقراطية لقرون وتصوروا أن الانتخابات وحدها كافية للحصول على الشرعية وأرادوا أن يستحوذوا على كل شيء، لكن في الحقيقة هم لم يستحوذوا على شيء وأنا كنت مشاركا معهم في حكومة الترويكا السابقة التي تقودها حركة النهضة وكنت أعلم أن الحكومة لا سلطان لها على ما يجري في البلد.

هناك أمور تمشي بحسب الإيقاع التقليدي للإدارة التونسية، وقد حدثت ظاهرة خطيرة جدا وهي أن المافيات الصغيرة كانت تحكمها مافيا كبرى لنظام بن علي ثم لما ذهبت المافيا الكبيرة تعددت المافيات، وأصبح هناك صراع إلى الآن، وما يسمى بالحرب على الفساد هو في حقيقة الأمر صراع بين مافيات وليس حربا على الفساد.

ما الذي جعل ثورات الربيع العربي تفشل بأكثر من بلد؟

لقد فهمت الثورة المضادة اللعبة واتحدت الأنظمة العسكرية والأنظمة القبلية وموّلت الفوضى في المجتمعات التي حدثت فيها ثورة لتحول دونها والنجاح، وتحاول إشاعة الفوضى في المجتمعات التي تعثرت فيها الثورة -مثل سوريا وليبيا واليمن- ليُعيدوا الخوف ويحافظوا على الوضع السابق بحجة تجنب ما حدث في هذه البلاد.

وتلك الأنظمة كانت تخشى من أفكار الثورة التي تطالب بالحرية والكرامة، لذلك خططت لإعطاء نموذج مشوه للثورات العربية بأنها انتهت إلى الدمار والخراب مثل ما وقع بسوريا والعراق، فيصبح كل شعب يريد الأمن والسلام على حساب الحرية.

هل يمكن اعتبار تونس شمعة مضيئة مقارنة بالثورات العربية؟

لا بد ألا نتصور أن التجربة التونسية شمعة لأن أي ريح قادرة على إطفائها. ما تزال تونس في قلب رحى الاستقطاب بين العلمانيين والإسلاميين، وهناك مثلا أحزاب تمولها الإمارات تنادي بإقصاء حركة النهضة، وهذا قد يرجع بالبلاد إلى التجاذبات.

وكيف تنظر إلى سياسة التوافق التي جمعت علمانيين وإسلاميين في حكومة واحدة؟

القول إن هناك توافقا سياسيا هو كذبة تم تمريرها للإبقاء على هيكل الدولة خدمة لمصلحة بعض اللوبيات النافذة. والمشكل في تونس هو أنه لا توجد نخب سياسية تحكم، والحاكم الفعلي هما نخبتان أخريان: اتحاد الشغل ومنظمة اتحاد الأعراف.

اتحاد الشغل ومنظمة اتحاد الأعراف يريدان غطاء سياسيا، ولكن النفوذ الحقيقي هو بيدهما لأنهما يحتاجان إلى بقاء دولة تضفي الشرعية على ممارساتهم بوصفها غطاء سياسيا تماما، كما تحتاج إيران وروسيا إلى دولة بشار لأن هذا يعطيهم حجة قانونية لتدخلهم مدعين بأن الدولة الشرعية هي التي دعتهم للتدخل.

ونفس اللعبة يمارسها اتحاد الشغل واتحاد الأعراف. لكن الحقيقة هي أنهما هما الحاكمان الفعليان مثل إيران وروسيا في سوريا. ليس بشار الحاكم في سوريا، وليس التوافق بين النهضة والنداء هما الحاكمان حاليا في تونس، هما غطاء سياسي باسم توافق لا فاعلية سياسية له غير هذا الدور.


المصدر:
http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2017/9/2/أبو-يعرب-المرزوقي-يدعو-لتجاوز-القطيعة-بين-الإسلاميين-والعلمانيين