إنّ العالم يمرّ بمرحلة حرجة وخطيرة تتميّز بتغلّب منطق القوة ونزعة الصراع في العلاقات الدولية. وبعد أحداث 11 سبتمبر المأساوية فإنّ المجالات السياسية والفكرية والإعلامية في الغرب قد استولى عليها أنصار المجابهة والمتطرّفون الذين يقومون بتغذية الخلافات بين الحضارات والنزاعات بين الشعوب، تحرّكهم في ذلك إرادة الهيمنة الأيديولوجية والاقتصادية على الآخرين. وإن لم تُتّخذ إجراءات حاسمة للتصدي لهذا الانحراف الخطير فستكون له تداعيات كارثية على العلاقات بين الحضارات.

إنّ أمّتنا العربية والإسلامية في مقدمة الشعوب التي تعاني من سياسة الهيمنة والكراهية والعدوان. حيث يتم التشنيع بالثقافة العربية والتهجم على الحضارة الإسلامية. ويُتّهم المواطن العربي والمسلم بالمعاداة للحضارة والتقدّم،رغم حجم المساهمة العربية-الإسلامية في الرقيّ الحضاري للإنسانية. وإنّ الحملة الإعلامية المسعورة التي تشهدها كثير من الدول تحاول أن تطبع في الوعي الجماعي للمجتمعات الغربية الخوف من العربي والمسلم الذي غالبا ما يتمّ وصفه بالإجرام والإرهاب.

وبالمقابل فهناك نقص رهيب في التواصل من طرفنا، وذلك في عصر المعلومات. لقد فشلنا فعلا في تقديم مرجعياتنا الثقافية وقيمنا الحضارية إلى الشعوب الأخرى بطريقة صحيحة وواضحة. إنّ وضعية أمتنا العربية والإسلامية جد حساسة، وإنّ المخاطر التي تواجهنا حقيقية. وإننا مطالبون بالعمل الجدّي لوضع حدّ لهذه الوضعية، بسرعة وبطريقة مدروسة.

إنّ إنقاذ أمتنا مشروط بنهضة فكرية وثقافية لا تتمّ إلا في مناخ ملائم يحرر الطاقات ويحفز على الإبداع. مناخ يتحرر فيه المواطن العربي والمسلم من الأغلال التي تُرهقه ويسترد كرامته ويستعيد مكانته اللائقة في المجتمع. ومن جهة أخرى لا بد لنا من صياغة سياسة جادة للاتصال مع الأمم الأخرى تتلاءم مع روح العصر وتسمو إلى مستوى التحديات.

إنّ الاتصال مع الغير والتعارف والتبادل والمشاركة، كل هذه قِيَم يطالبنا بها ديننا الحنيف وتقاليدنا العريقة. يقول الله عز وجل: «يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لِتعارفوا». وإنّ من واجبنا جميعا ترجمة هذه المبادئ على أرض الواقع وبذل الجهد من أجل إحلال العدل والسلم بين الحضارات والثقافات والشعوب.

نظرا لتصاعد التوتر بين الشعوب والتدهور المستمر لصورة العرب والمسلمين في بلاد الغرب، وتفاقم الوضع بعد أحداث سبتمبر، ارتأت بعض الشخصيات الأوروبية والعربية التعاون من أجل وضع حد لتشويه صورة الدول والشعوب العربية لدى الرأي العام الغربي والذي تقوم بتغذيته جهات تُكنّ العداء للحضارة والقِيم العربية. وقد أصبح مثل هذا التعاون ضرورة حيوية لأنّ المبادرات الفردية التي يقوم بها عدد من المفكرين العرب والغربيين من أجل التصدي لحملة التشويه لا يمكنها الصمود في وجه الآلة الفكرية والثقافية والإعلامية الضخمة التي تحطّم كل من يقف في طريقها وتفتك بكل من ينتهج خطابا مغايرا للتيار العام المتطرف.

وبعد نقاش طويل تبلورت فكرة إنشاء مؤسسة ثقافية وفكرية ذات تشكيلة مختلطة من الشخصيات العربية والغربية من ذوي السمعة الدولية والكفاءة العالية في شتى المجالات والتي تؤمن بحتمية التعايش السلمي بين أبناء الأسرة البشرية الواحدة.

هذه المؤسسة تهدف إلى ترقية التبادل بين الثقافات والحوار بين الحضارات، وإلى المساهمة في البحث والنقاش حول سُبل تحقيق السلام في العالم. وقد جرى الاتفاق على تسميتها مؤسسة قرطبة بجنيف إشارة إلى إمكانية الجعل من جنيف المدينة الدولية قرطبة القرن الواحد والعشرين وترقية روح التعايش والتسامح الذي عرفته قرطبة في عصرها الذهبي ونشره على الصعيد العالمي.

إنّ مؤسسة قرطبة بجنيف ترتكز لتحقيق أهدافها على مركز للبحث والتوثيق يشرف عليه أكاديميون ذوو كفاءة علمية عالية. ويتطلّع هذا المركز إلى دور المرجعية العلمية للمنظمات الدولية، والهيئات الحكومية والجامعات والمنظمات غير الحكومية والجمهور العام في الغرب، فيما يتعلق بالحضارة العربية الإسلامية ومساهمتها في دعم القانون الإنساني وحقوق النفس البشرية وفض النزاعات وتحقيق السلام ودعمه والمحافظة عليه. وبالمقابل يتطلع مركز البحث والتوثيق ل مؤسسة قرطبة بجنيف إلى دور المرجعية العلمية في العالم العربي والإسلامي فيما يخص مساهمة الغرب في الحضارة الإنسانية. كما ترتكز مؤسسة قرطبة بجنيف لتحقيق أهدافها على مركز للثقافة والفنون يسعى لتوفير فضاء للتبادل بين العالم العربي والإسلامي وبين بقية حضارات العالم في المجالين الثقافي والفني، عبر مختلف التظاهرات من ملتقيات ومهرجانات مشتركة.

إنّ مؤسسة قرطبة التي أنشئت مؤخرا في جنيف بمقدورها أن تساهم في إعادة الاعتبار لصورة العرب والمسلمين في الغرب، شريطة أن تحصل على مساندة المواطنين العرب والمسلمين المعنوية والمادية، وأن تتمكّن من إشراك الطاقات الفكرية والثقافية والعلمية التي يزخر بها عالمنا العربي والإسلامي. ونحن واثقون في الله ومتأكدون أنّ أهداف مؤسسة قرطبة بجنيف وبرامجها الفكرية والثقافية ستحظى بترحيب ودعم كل الغيورين على قيمنا ومقومات أمتنا.